من ثماني سنوات – تقريبا - ، حين كنت في بريطانيا للدراسة جمعني لقاء أدبي جميل وحميم مع نخبة من الأدباء العرب وكنا نتبادل الحديث والمواضيع الأدبية الشيقة والظريفة في نفس الوقت ، حينها شدتني جملة من أحد الحاضرين تعلقت بمقولة يتداولها الأدباء والظرفاء وهي : "كن شافعيا وألبس أبيضا وأحفظ قصيدة ابن زريق تكن أظرف الناس" توقفت كثيرا عند هذه المقولة او المثل ، من هو ابن زريق هذا يا ترى ؟! وبماذا تتميز قصيدته ؟! بحثت عن ابن زريق هذا وعن قصيدته طويلاً حتى وجدت بغيتي في كتاب (أحلى عشرين قصيدة حب) الذي قدمه الشاعر الكبير فاروق شوشة . سأترككم مع ابن زريق وقصة قصيدتة المشهورة يحكيها لنا فاروق شوشة.. ومن ثم سأدرج القصيدة كاملة . قمـــــرٌ في بغــــداد وهذا شاعرٌ قتله طموحه ، يعرفه دارسو الأدب ومحبّوه ، لكنهم لا يعرفون له غير هذا الأثر الشعري الفريد يتناقله الرواة ، وتعنى به دواوين الشعر العربي ؛ فإذا ما تساءلنا عن الشاعر وعن سائر شعره فلن نظفر من بين ثنايا الصفحات بغير بضعة سطور تحكي لنا مأساة الشاعر العباسي / ابن زريق البغدادي الذي ارتحل عن موطنه الأصلي في بغداد قاصداً بلاد الأندلس ، عله يجد فيها من لين لعيش وسعة الرزق ما يعوضه عن فقره ، ويترك الشاعر في بغداد زوجة يحبها وتحبـه كل الحب ، ويخلص لها وتخلص له كل الإخلاص ، من أجلها يهاجر ويسافر ويغترب في الأندلس - كما تقول لنا الروايات وا لأخبار المتناثرة – يجاهد الشاعر ويكافح من أجل تحقيق الحلم ، لكن التوفيق لا يصاحبه ، والحظ لا يبتسم له ، فهناك يمرض ، ويشتد به المرض ، ثم تكون نهايته في الغربة ؛ ويضيف الرواة بعداً جديداً للمأساة ، فيقولون أن هذه القصيدة التي لا يعرف له شعرٌ سواها وجدت معه عند وفاته سنة أربعمائة وعشرين من الهجرة ، يخاطب فيها زوجته ، ويؤكد لها حبه حتى الرمق الأخير من حياته ، ويترك لنا - نحن قراؤه من بعده - خلاصة أمينة لتجربته مع الغربة والرحيل ، من أجل الرزق وفي سبيل زوجته التي نصحته بعدم الرحيل فلم يستمع إليها ، ثم هو في ختام قصيدته نادم - حيث لم يعد ينفع الندم أو يجدي - متصدع القلب من لوعةٍ وأسى ، حيث لا أنيس ولا رفيق ولا معين . والمتأمل في قصيدة ابن زريق البغدادي لا بد له أن يكتشف على الفور رقة التعبير فيها، وصدق العاطفة ، وحرارة التجربة ؛ فهي تنم عن أصالة شاعر مطبوع له لغته الشعرية المتفردة ، وخياله الشعري الوثّاب ، وصياغته البليغة المرهفة ، ونفسه الشعري الممتد ؛ والغريب ألا يكون لابن زريق غير هذه القصيدة ، مثله كمثل دوقلة المنبجي الذي لم تحفظ له كتب تراثنا الشعري غير قصيدته اليتيمة .. وهكذا استحق الشاعران فضل البقاء والذكر - في ذاكرة الشعر العربي كله - بقصيدة واحدة لكل منهما .. وبالمقابل ، ما أكثر الشعراء الذين لا تعيهم ذاكرتنا ، بالرغم من أنهم سوّدوا مئات الصفحات وتركوا عشرات القصائد وزحموا الدواوين والمكتبات ؛ يستهل ابن زريق قصيدته بمخاطبة زوجته ، يناشدها ألا تعذله أو تلومه ، فقد أثر فيه اللوم وآذاه ، وأضر به بدلا من أن ينفعه ، إنه هنا يبسط بين يديها أسباب رحيله عنها وتركه لها طمعاً في الرزق الفسيح والعيش الهانئ الوثير ؛ وسرعان ما يعلن عن ندمه لأن ما أمله لم يتحقق ، وما رجاه من رزق وفير لم يتح له .. ؛ ثم يلتفت ابن زريق التفاتة محب عاشق إلى بغداد ، حيث زوجته التي تركها دون أن يستمع إلى نصحها ، إنها مملكته التي أضاعها ولم يحسن تدبيرها وعرشه الذي خلع عنه .. ؛ وفي ختام القصيدة يصف ابن زريق - في تعبيرٍ صافٍ مؤثرٍ ونسيج شعري محكم - واقع حاله في الغربة ، بين الأسى واللوعة ، والألم والندم ، وهنا ينفسح مجال التأمل ، وينطلق اللسان بالحكمة التي أنضجتها التجربة ، ويشرق القلبُ بالدموع . ،،